السيد محسن الأمين

27

أعيان الشيعة ( الملاحق )

طليعة المنادين بتأمير أمير مسلم مهما كان مذهبه . وقد أيدوا ترشيح الأمير عبد الله لملوكية العراق ، وقد ظهر هذا الترشيح في المضابط التي أرسلت للشريف حسين وللأمير عبد الله بعد أن نودي به ملكا على العراق في المؤتمر العراقي في الشام في 8 آذار 1920 . . كما أن فتوى الامام الشيرازي التي صدرت على أثر إجراء الاستفتاء في العراق سنة 1918 كانت تنص على أن ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للامارة والسلطنة على المسلمين . . ولم نعثر على أية فتوى أو رأي شخصي ذي أهمية من الشيعة يخصص أو يشير إلى ضرورة تأمير رجل شيعي على الدولة العراقية المنتظرة . « 1 » على ضوء هذه الملاحظات ، بامكاننا فهم الموقف الفقهي ، وبالتالي السياسي الذي وقفه السيد محسن الأمين ، من الوهابية من جهة ، ومن العمل السياسي الوطني الذي كان مطروحا في أيامه ، من جهة ثانية . وبالإمكان اختصار موقف السيد الأمين ، في هذا المجال ، بالنقاط التالية : أولا : إن مواقف السيد محسن الأمين ، كانت في مجملها عملية ، أكثر مما كانت نظرية . . شأنها في ذلك ، شان التقليد الشيعي المعروف ، في التركيز على عملية الإصلاح ، أكثر من الاجتهاد في ابتكار نظرية للإصلاح . . كما سبق وأشرنا في الفصل الأول من هذا البحث . ثانيا : لقد وقف السيد الأمين من الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان ، موقفا معاديا ورافضا وتحريضيا . فقد تصدى بقوة للمحاولات الفرنسية الدائبة في تفريق المسلمين وإثارة التمييز المذهبي بينهم ، بغية إضعافهم وإحكام القبضة الاستعمارية عليهم . فهو يذكر ، على سبيل المثال ، تحت عنوان : بعض ما جرى لنا مع الفرنسيين « 2 » أنه أصدر الفرنسيون قانون الطوائف بما لا يوافق مصلحة المسلمين ويخالف نص الشرع الإسلامي ، فعارض في ذلك جملة من علماء دمشق ، وبالغوا في المعارضة ، فأوقف القانون ، وأصدر الفرنسيون بلاغا بان وقفه يشمل السنيين من المسلمين فقط فقدمت بذلك احتجاجا للمفوضية الفرنسية ، باللغتين العربية والفرنسية ، قام الفرنسيون له وقعدوا ونشرته الصحف . وكان من نتيجة ذلك إلغاء هذا القانون . وقد حاولت سلطات الانتداب الفرنسية استمالته باغرائه بمنصب رئيس العلماء الشيعة في لبنان ، الذي استحدثته آنذاك . . وعرضوا عليه هذا المنصب ، فرفضه قائلا : إن هذا الأمر لا أسير إليه بقدم ، ولا أخط فيه بقلم ، ولا أنطق فيه بفم . « 3 » كما لا نزال نذكر من ماثوراته ، تلك الكلمة المعبرة التي رد بها على مندوب المفوض السامي الفرنسي حين جاءه في دمشق زائرا ، يعرض عليه تولي هذا المنصب ، فرفضه قائلا : إني موظف عند الله ، فلا يمكن أن أكون موظفا 27 عند المفوض السامي . « 4 » وقد ساهم في التحريض العملي على الانتداب ، ورموزه ومؤسساته ، حتى لو كانت هذه المؤسسات تقدم خدمات عامة للجمهور ، كما حدث حين اختلفت شركة الجر والتنوير الأجنبية مع الأهالي في دمشق . فقد دعا إلى مقاطعة هذه الشركة ، بسبب تحكمها بالناس لقاء تقديمها لهذه الخدمة ذات الصفة العامة ، وهي الكهرباء . . وحرض الناس على مقاطعتها قائلا : لو كان فيهم شمم وإباء لآثروا النواصة على ضياء الكهرباء ، ولم يرضوا بان تتحكم بهم هذه الشركة الأجنبية . « 5 » وكان من نتيجة هذا الموقف ، أن قاطع الناس في اليوم التالي الشركة مقاطعة تامة ، وأحرقوا بعض عرباتها ولم يعد يركب فيها أحد . « 6 » وقد أنتجت هذه المقاطعة الاضراب الخمسيني المشهور في سورية الذي اضطر معه الكونت دي مارتل ، المفوض السامي الفرنسي ، إلى النزول على رأي الوطنيين ، مما هو معروف في تاريخ سورية ولبنان . « 7 » إن بالإمكان استنتاج موقف عملي إسلامي للسيد الأمين من هذه الحادثة ، وهو أن التعامل مع الغرب الاستعماري ومنجزاته ، لا تحدده المنفعة العملية من هذه الإنجازات فحسب ، بمقدار ما تحدده الروح الكامنة وراءها ، والغاية المتوخاة منها ، حتى ليمكن الاستغناء عنها ، ومحاربتها ، إذا تبين أنها تشكل عامل ضغط وتهديد على الروح المعنوية للمسلمين . ثالثا : لقد ساهم السيد الأمين مساهمة عملية في العمل السياسي الوطني ضد الانتداب الفرنسي ، وذلك بدعمه المستمر للكتلة الوطنية التي نشات في سوريا . وكانت كبرى الحركات الوطنية الكثيرة التي نشات آنذاك لمناهضة الاحتلال الأجنبي ، والتصدي لأساليبه المستعملة في التنكيل بالوطنيين وسوقهم إلى المنافي والسجون . فقد كان السيد محسن الأمين ، يقوم بدور المستشار الفكري ، والمرشد الروحي لأعضاء الكتلة الوطنية ، الذين كانوا يعقدون بعض اجتماعاتهم في منزله بدمشق ، كما كانوا يطلبون منه الرأي والمشورة في الكثير من خطواتهم وتحركاتهم ضد سلطات الانتداب . يقول لطفي الحفار ، رئيس الوزارة السورية الأسبق ، وأحد مؤسسي الكتلة الوطنية ، في كلمة له عن السيد الأمين بعنوان إمام في الوطنية ما نصه : . . في هذه الحقبة من أيام النضال والنزال على اختلاف ظروفه وأحواله ، كنا نستمد قوة روحية ودعاية واسعة ودعوة صالحة من الامام المجتهد السيد محسن الأمين . « 8 » رابعا : لقد أيد السيد الأمين ، الأمير فيصل في صراعه مع الفرنسيين ، وآزره قلبا ولسانا ، واستمر في مؤازرته ، بعد أن توج ملكا على سورية . لان هذا التتويج كان إعلانا لاستقلال سوريا التام وتحديا للفرنسيين .

--> ( 1 ) المرجع نفسه ص 246 - 247 . ( 2 ) الأمين ، محسن . سيرته بقلمه . . ص 94 . ( ذكر سابقا ) . ( 3 ) المصدر نفسه ص 95 . ( 4 ) المصدر نفسه ص 213 . ( مقال وجيه بيضون ) . ( 5 ) المصدر نفسه ص 95 - 96 . ( 6 ) المصدر نفسه ص 96 . ( 7 ) المصدر نفسه ص 96 . ( مقال أديب الصفدي ) . ( 8 ) المصدر نفسه ص نفسها . ( مقال علي بزي ) .